في يوم قلما يحدث في حياتي اضطررت إلي شراء الخبز(العيش) لأمي من المخبز البلدي كما نقول،للأسف زوجة السيد البواب لم تكن موجودة،وأنا في وسط هذه الزحمة الهائلة تساءلت:لماذا لا يكون طابور الانتخابات سواء كانت البرلمانية أو الرئاسية مثل طابور العيش؟ من داخلي استغربت كثيرا هذا السؤال وربما الأغرب أنني أنا من سألته!
إذا قارنا بطريقة بسيطة بين طابور الانتخابات وطابور العيش نجد أن هناك شيئا مشتركا وهو الاحتياج،فالناس يقفون في طابور العيش لأجل الحصول على العيش ومستعدون لفعل كل شئ للحصول عليه ولن أنسى الخبر الذي قرأته منذ فترة ليست بالقصيرة والذي كان يحكى عن أن أحد الأشخاص قتل آخر بسبب مشاجرة حول من يقف أولا في طابور العيش والمؤسف أن كل ذلك حدث في رمضان قبل انطلاق مدفع الافطار بمدينة العاشر من رمضان،لذلك نرى هذه الأعداد الهائلة تتزاحم منذ الفجر حتى العصر على باب أي مخبز بلدي ،أما طابور الانتخابات فمن المفترض في الدول المتقدمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا أن يكون الغرض منه مساهمة المواطن في اختيار من يمثله رئاسيا أو برلمانيا و بالتالي التحكم في أغلب أو في جميع التشريعات والقرارات السياسية التي سيتم اتخاذها وتمس حياة كل مواطن،كل هذا للأسف لا يحدث في بلادنا فقد تراجعت معدلات المشاركة السياسية في مصر بشكل مطرد عاما بعد عام حيث بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية عام1984 43% من اجمالي الناخبين المقيدين في الجداول الانتخابية رسميا،بينما ارتفعت إلى 50% عام 1987 وعادت إلي الانخفاض مرة أخرى عام 1990 إلى 45% وارتفعت في 1995 إلى 50% ووصلت في عام 2000 مع دخولنا الألفية الثالثة إلى رقم مرعب وهو 25% وآخر انتخابات جرت منذ عامين بلغت المشاركة23% في الوقت الذي كنا فيه في عام 1924 الذي شهد أول انتخابات برلمانية بمعناها الحديث في تاريخ مصر كانت نسبة المشاركة في ظل جهل وأمية أكثر 80% تخيلوا ذلك!
والأدهي من ذلك أنه من حوالي 70 مليون مصري مسجل فقط 30 مليون على الأكثر في القوائم الانتخابية ولكن لماذا؟
ربما يعود السبب إلي ثقافة عامة لدى أغلب الشعب المصري مفادها أنه كفرد لم ولن يصبح مؤثرا في صناعة سياسة دولة بتشريعاتها،أي قلة أو شبه انعدام ثقة لدى أغلب أفراد الشعب المصري على اختلاف طبقاته وأفكاره وخلفياته الثقافية.
أيضا ربما الشعور بعدم القدرة على التغيير يقود الغالبية العظمي إلى البعد عن الانتخاب خاصة أنه في كل دورة برلمانية يرى نفس الوجوه تقريبا في مجلس الشعب الذي من المفروض أنه يمثل الشعب،ومن المعروف أن تكرار نفس الوجوه يعكس نفوذا أكثر وسلطة أكبر ومصالح تتنامي وفضائح فساد متوالية لا يمر شهر على الأكثر الا ويتم الكشف عن احداها.
لذلك فالمهم لحياة أي مواطن مصري حاليا هو طابور العيش وليس طابور الانتخابات و نلاحظ أن أي مساس بالعيش عواقبه وخيمة واتضح ذلك عندما قام مواطنون في أسيوط بأقتحام مخبز صباحا قبل أن يبيع انتاجه من الخبز إلى مافيا الخبز التي تبيعه بسعر أكبر ولكن لو ظل هذا الحال فترات أطول قد يكون الحال لا بأس به مع بطوننا ولكنه أقرب إلى المجهول أو المعروف الذي ننكر معرفتنا به مع وطننا.